فوزي آل سيف

37

أصحاب النبي محمد صلى الله عليه وآله

وهي مظهر لقوة خالق الخير؛ لذا تستحقُّ التقديس والتكريم، ومن هنا عدّوها أصلَ العناصر الأساسية الموجودة في الكون (التراب والماء والنار). ومن مظاهر تكريمها وتقديسها أنهم يبقونها متقدة دائماً لهم في أماكن يخدمها سدنةٌ موكّلون بها؛ كي لا تنطفئ، لاسيما في الجبال المرتفعة وهي من مظاهر قوة الإله كما يقولون ويسمون تلك الأماكن (آتشكاه) بمعنى مكان النار. وفي بعض أجوبتهم المعاصرة يتحدثون عن النار باعتبارها مصدر النور، والنور موجود في الديانات الأخرى فالله -كما يقولون- نور للسماوات! وأن النار في محل العبادة (آتشكاه) لما كانت ذات لون واحد فهي تقتضي على النفاق والازدواجية! وأن النار هي مصدر الحضارة والصناعة.. إلى آخر ما قالوه في اعتقاداتهم بشأن النار. كان والد سلمان من الموكلين بالنار تلك، وصرف قسمًا غير قليل من أمواله وكان ثريًّا، في الاهتمام بما يعتقد، بل كان يُعد ابنه (روزبه) الذي سيصبح اسمه فيما بعد سلمان ويربيه؛ ليكون في هذا المسار لِمَا وجد فيه من ذكاء، وكان يحافظ عليه حتى لا يتأثر بالأفكار والمعتقدات الأخرى التي كانت في أصفهان كاليهودية والمسيحية ويحرص على ألّا يختلط مع هؤلاء. ولكن إذا أراد الله شيئاً هيأ أسبابه، فقد أرسله أبوه ذات يوم لحاجة من الحاجات، فمر على كنيسة، ولما سمع أجراسهم وأناشيدهم، استوقفه هذا الأمر لأن فيها كلمات عن الله تعالى، وكانت غير مألوفة لديه، وجديدة على سمعه فدخل إلى الكنيسة وبقي هناك يسألهم وهو معجب بما لديهم من أفكار، فلا ريب المسيحية، واستغرق ذلك مدة طويلة من الوقت مما جعل والده يبحث عنه، فوجده في الكنيسة. سأله: لماذا ذهبت إلى هناك؟ فقال سلمان: سمعتُ منهم كلاماً جميلاً؛ معتقد جديد ومعلومات رائعة. ومن الطبيعي أنك حينما تقيس الدين المجوسي وما كان عليه من أفكار بالمسيحية، سوف تجد التفوق لصالح المسيحية لأن قسما من العقائد الحقة كانت فيها، ونسبة التحريف فيها أقل، والوصايا الأخلاقية فيها أكثر ظهوراً. وحينما قال سلمان لوالده: إنه قد أعجبه دين المسيح وإنه يراه خير دين، تعامل معه والده بقسوة وتهديد لكن سلمان بقي على أمره، ذلك أن قضايا العقائد ليست بالإجبار والاكراه بل هي بالبراهين والأدلة والفهم. لهذا يُظلم الكثيرون بسبب معتقداتهم ولكن لا يتغيرون بل يزدادون تمسكًا، نعم في بعض الموارد قد يتعاملون بالتقية ولكن تبقى قلوبهم تنبض بالإيمان. روزبه (سلمان) أصر على معتقده الجديد فاتخذ أبوه منه موقـفًـا، وعاقبه بالسجن في حجرة وقيّده وبقي مدة طويلة إلى أن خف عليه القيد، واستطاع بطريقة ما إخبار من في الكنيسة بإيمانه حتى وجدوا له طريقة للخروج من اصفهان. فهرب من سجني أبيه، الديني والمنزلي، وسافر مع بعض الكهنة والرهبان إلى بلاد الشام، وكانت مركز الديانة المسيحية آنئذ. وتفاعل سلمان مع المسيحية، ولا ريب أن في المسيحية من الصفاء والمحبة ما يجعل معتنقها يتمسك بها، ولولا ما طرأ عليها من تحريف من تأليه المسيح مما ذكره القرآن الكريم، لكانت على الجادة الإلهية تماما. لقد عبر القرآن الكريم عن تأثير التعاليم المسيحية على أتباعها بقول الله عز وجل: (وَلَتَجِدَنَّ أَقرَبَهُم مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنهُم قِسِّيسِينَ وَرُهبَانًا